أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

484

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

والعرش والكرسي في طي قبضتي ، ثم يتلاشى الكون ويضمحل ويتصل عالم الملكوت بعالم الجبروت ، فلا بقاء إلا للحي الذي لا يموت ، وهذا لا يفهمه إلا العارفون الذين غلبت روحانيتهم على بشريتهم ، فصاروا روحانيين ملكوتيين ، أشباحهم مع الخلق ، وأرواحهم مع الحق ، فقد وسعك أيها الإنسان الكون ، وحصرك من حيث جثمانيتك وبشريتك وهيكلك المحصور ، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك ، لأن روحك متصلة بعالم الجبروت المحيط ، فلما تكثفت وانحصرت في هذا الهيكل لزمتها القهرية ، فانحجبت بالحكمة ، وتقيدت بالقدرة ، فما دامت البشرية كثيفة بحب الشهوات والعوائد فهي محجوبة ، فإذا تلطفت بذكر اللّه وانخرق عنها حجاب الحس رجعت إلى أصلها فاتصلت ببحرها ، فصار الملكوت والملك في طي قبضتها ، فلم يسعك حينئذ أرض ولا سماء ولا يحصرها عرش ولا فرش ، ولذلك قيل : الصوفي لا تقله الأرض ولا تظله السماء . وفي الحديث القدسي يقول اللّه تعالى : لم تسعني أرضي ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » » أي : الكامل وهو العارف ، واللّه تعالى أعلم . فالجبروت : هو المعاني اللطيفة القديمة التي لم تدخل عالم التكوين ، والملكوت : ما دخل عالم التكوين باعتبار جمعه ولحوقه بأصله ، والملك : ما دخل التكوين واعتقد فيه الفرق ، وأهل الجمع لا ملك عندهم ، وإنما عندهم الملكوت والجبروت ، فما داموا يفرقون بين النور اللطيف والنور الكثيف ، فعندهم الملكوت والجبروت ، فإذا ضموا كل شيء إلي أصله لم يبق إلا الجبروت ، وأهل الفرق أثبتوا الملك بوهمهم وحجبوا به عن اللّه ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] . فما دام العبد مسجونا بالكون محصورا في بشريته فهو في سجن الأكوان ، فإن نفذت بصيرته وعرجت روحه إلى الملكوت خرج من السجن إلى الفضاء ، كما بين ذلك بقوله : 247 - الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته . قلت : ميادين الغيوب : هي ما أدركته الروح حين خرجت من ضيق الأشباح إلى عالم الأرواح ،

--> ( 1 ) تقدم الكلام عليه .